ابن حمدون

299

التذكرة الحمدونية

اخرج أيّ يوم شئت ، فخرجت من غد ، فخرج هو وأمير البلد وقاضيه ووجوه أهله ، فشيّعوني إلى ظاهر البلد ، وقال لي : أقم في ظاهر البلد على خمسة فراسخ إلى أن أزيح علَّة قائد يصحبك برجاله إلى الرّملة ، فإنّ الطريق فاسد . فلما قال ذلك استوحشت من قوله وقلت : هذا إنّما غرّني حتى أخرج كلّ ما أملكه فيتمكَّن منه في ظاهر البلد ، فيقبضه ثم يردّني إلى الحبس والتوكيل والمطالبة ، ويحتجّ عليّ بكتاب ثان يذكر أنّه ورد إليه . فخرجت وأقمت بالمرحلة التي آثرها مستسلما متوقّعا للشرّ ، إلى أن رأيت أوّل عسكر مقبل فقلت : لعلَّه القائد الذي يريد أن يصحبني إيّاه ، أو لعلَّه الذي يريد أن يقبض عليّ . فأمرت غلماني بمعرفة الخبر ، فقالوا : العامل أحمد بن أبي خالد قد جاء ، فلم أشكّ إلا أنّه قد جاء الشّرّ والبلاء بوروده ، فخرجت من مضربي ، فتلقّيته وسلَّمت عليه . فلما جلس قال : أخلونا ، فلم أشكّ إلا أنه للقبض عليّ ، وطار عقلي ، فقام من كان عندي فلم يبق عندي أحد ، فقال لي : أنا أعلم أنّ أيّامك لم تطل بمصر ، ولا حظيت بكبير فائدة ، وذلك الباب الذي سألتنيه في ولايتك فلم أستجب له ، إنّما أجزت الإذن لك في الانصراف منذ أوّل الأمر لأني تشاغلت لك بالفراغ منه . وقد حططت من الارتفاع ، وزدت في النّفقات في كلّ سنة خمسة عشر ألف دينار ليكون للسنتين ثلاثون ألف دينار ، وهو مقرّب ولا يظهر ، ويكون أيسر ممّا أردته مني في ذلك الوقت ، وقد تشاغلت به حتى جمعته لك ، وهذا المال على البغال قد جئتك به ، فتقدّم إلى من يتسلَّمه ، فتقدّمت بقبضه ، وقبّلت يده وقلت : واللَّه يا سيّدي فعلت ما لم تفعله البرامكة ، فأنكر ذلك وتقبّض منه ، وقبّل يدي ورجلي وقال : ههنا شيء آخر أريد أن تقبله ؛ فقلت : ما هو ؟ قال : خمسة آلاف دينار قد استحققتها من رزقي ، فامتنعت من ذلك وقلت : في ما تفضّلت به زيادة على كفايتي ؛ فحلف بالطلاق أنّي أقبلها منه ، فقبلتها ؛ فقال : ههنا ألطاف من هدايا مصر أحببت أن أصحبك إيّاها ، فإنك تمضي إلى كتّاب الدواوين ورؤساء الحضرة ، فيقولون لك : وليت مصر ، فأين نصيبنا من هداياها ؟ ولم تطل